احصائيات 2016

الابحاث المستلمة: 73

الابحاث المقبولة: 32

الابحاث المرفوضة: 21

قيد التحكيم: 20

الدراسات المنشورة: 31

العروض المنشورة: 7

البحوث الجارية: 3

Google AdSense

محاكاة الذكاء الانساني والسلوك الحيواني لتعزيز نظم استرجاع المعلومات / فاتن سعيد بامفلح Print E-mail
العدد 48، ديسمبر 2017

 

محاكاة الذكاء الانساني والسلوك الحيواني لتعزيز نظم استرجاع المعلومات

 

فاتن سعيد بامفلح

استاذ علم المعلومات، جامعة الملك عبد العزيز

جدة، المملكة العربية السعودية

 

 

تعتمد فكرة الذكاء الاصطناعي على محاكاة ذكاء الإنسان وذلك بتصميم نظم حاسب ذكية يمكنها القيام بأعمال البشر التي تتطلب فهم وتفكير وتحليل ومعالجة للمعرفة. وقد تم تطوير كل نظام من نظم الذكاء الاصطناعي استنادا الى خاصية من خصائص البشر؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر؛  فإن الشبكات العصبية الاصطناعية تحاكي النظام العصبي للإنسان والذي يتيح له التعلم واكتساب المعارف والاستدلال وحل المشكلات ؛ ففي الجهاز العصبي للإنسان تدخل المعلومات إلى ما يعرف بالنيرون لمعالجتها ومن ثم يتم التوصل إلى النتائج،  وفي النظم المعتمدة على الذكاء الاصطناعي تتم  محاكاة هذا النظام بإيجاد تقنية تعمل بنفس طريقة عمل النيرون البيولوجي ولكن وفقا لخوارزميات بالاعتماد على عمليات حسابية تعمل على حساب العقد ومن ثم تتدفق النتائج. كذلك فإن الخوارزميات الجينية تحاكي النظام الوراثي للإنسان والذي يتم من خلاله توريث الصفات والخصائص من جيل لآخر، وتعمل النظم الذكية على محاكاة النظام الجيني الوراثي للبشر لحل المشكلات والمسائل المعقدة استنادا الى أفضل الحلول الممكنة، وذلك بطرح النظم الذكية لحلول أولية ثم إنشاء حلول أخرى أفضل منها لتكون بمثابة أجيال جديدة من الحلول بعد استبعاد الحلول الرديئة والإبقاء على الأفضل.

ومع تضخم مصادر المعلومات وتنوعها وانتشارها على نطاق واسع خصوصا في ظل الشبكة العنكبوتية وما تتيحه من عدد لا محدود من الوثائق عبر صفحات الويب المختلفة والمنتشرة في مواقع حول العالم في نظام لامركزي؛ ظهرت الحاجة الى اساليب أكثر تطورا وقدرة على اجراء عمليات البحث عن مصادر المعلومات واسترجاعها؛ وفي سبيل ذلك تم تطوير اساليب تعتمد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي لتوفير امكانيات ومهارات عالية في البحث عن المعلومات واسترجاعها.

وقد أسهم الذكاء الاصطناعي كثيرا في تطوير أساليب البحث واسترجاع المعلومات من خلال عدة تطبيقات من بينها: نظم فهم اللغات الطبيعية التي تمكن الحاسب من فهم اللغات التي يتحدث بها البشر وتصميم واجهات ذكية تعمل على المواءمة بين لغات البشر ولغة الحاسب، كذلك  اتاحة استرجاع المعلومات باستخدام اللغة الطبيعية ؛ فضلا عن إجراء الترجمة الآلية ، واستخدام نظم فهم الكلام. وإلى جانب ما سبق فقد تمت الاستفادة من نظم الذكاء الاصطناعي لتمثيل المعارف بأشكالها المختلفة آليا باستخدام الشبكات الدلالية  أو النظم المعتمدة على القواعد، والتي أسهمت بدورها في زيادة فعالية البحث والاسترجاع وجعله معتمدا على فهم دلالات المصطلحات بدلا من رسمها.  ولا يفوتنا أن نشير إلى تقنية الوكيل الذكي التي عززت من نظم الاسترجاع ودعمت عمليات البحث عن المعلومات على شبكة الإنترنت.

والواقع ان تطبيقات الذكاء الاصطناعي منذ ان بدأت في نهاية الخمسينيات من القرن العشرين كانت تتجه كما اسلفت نحو محاكاة الذكاء البشري ؛ ولكنها بعد عقود قليلة من الزمن لم تعد تقتصر على ذلك؛  بل تجاوزته الى محاكاة ذكاء الحيوانات المنعكس على سلوكها؛ ومن ذلك سلوك بعض الحشرات الاجتماعية وذكائها؛ ولعل من أبرزها النحل وسلوكه في البحث عن الغذاء.

يذكر أن النحل من الحشرات التي تتميز بمهارات تنظيمية عالية بدون قيادة مركزية، وتتمتع بسلوك تعاوني وتفاعل فيما بين بعضها والبعض الآخر، وفيما بينها وبين البيئة ؛ ففي عملية حصول النحل على الغذاء يتبع تنظيما ذاتيا معينا؛ حيث تطير مجموعة من النحل العامل الى البيئة للكشف عن أماكن الرحيق في الحقول، ومن ثم تعود الى الخلية بتقرير عن مصدر الغذاء، فتقوم النحلة العاملة بحركات راقصة في شكل اهتزازات تنقل من خلالها معلومات لسرب النحل في الخلية؛ تعرفهم من خلال تلك الاهتزازات الراقصة بمكان الرحيق، وفي اي اتجاه يتواجد، ومدى جودته، فعلى سبيل المثال فإن الاهتزاز السريع للنحلة يعني ان مكان الحقل قريب، في حين ان الاهتزاز البطيئ يعني عكس ذلك. كذلك فإن اتجاه الدوران عند الاهتزاز يوضح الموقع نسبة لاتجاه الشمس.  وبعد استيفاء النحلة العاملة لتقريرها يطير سرب النحل باتجاه حقل الزهور وفقا للمعلومات التي تم نقلها اليه.

يتضح مما سبق ان حصول النحل على الرحيق يعتمد على منظومة من المعلومات التي يتم نقلها من خلال عملية منظمة تبدأ بتحديد مصدر المعلومات والبحث عنها في حقول على مسافات بعيدة قد تصل الى عشرة كيلومترات عن مكان الخلية. ويستخدم عدد محدد من النحل لجمع معلومات عن أفضل مصدر للرحيق وتقييم تلك المصادر وجودتها من خلال سلوك التفاعل الاجتماعي بين أعضاء مستعمرة النحل؛ حيث يتم تمرير المعلومات حول مصدر الغذاء وجودته والمسافة والاتجاه من خلال شفرة الرقص.

  وتمكن المختصون في نظم الذكاء الاصطناعي من تحويل القواعد البسيطة المتبعة من قبل النحل الى خوارزمية فعالة لحل مشكلات معقدة في استرجاع المعلومات على شبكة الانترنت، وذلك بمحاكاة سلوك النحل التنظيمي في البيئة اللامركزية التي يعمل فيها، ومحاكاة اساليب التواصل غير المباشر بين أعضاء مجتمع النحل، وآلية التنسيق فيما بينهم.

وتجدر الإشارة الى أن نظم الذكاء الاصطناعي  تعتمد  في محاكاتها للبشر على الذكاء المعرفي وينتج عن ذلك نظم تعتمد على المعرفة   Knowledge – based systems؛ وفي المقابل فإن نظم الذكاء الاصطناعي تحاكي الذكاء السلوكي لدى الحيوان لينتج عن ذلك ما يعرف بالنظم المعتمدة على السلوك

Behaviour-based systems؛ وهي في ذلك تحاكي خصائص موجودة في السلوك الحيواني تحتاج اليها نظم الذكاء الاصطناعي؛ ومن بين تلك الخصائص القدرة على التكيف مع البيئة، والمثابرة، والتعلم، والاستقلالية في تحديد الهدف والوصول اليه. فعلى سبيل المثال: على الرغم من محاكاة النظم الذكية للذكاء البشري لإنتاج روبوتات تعمل باستخدام التمثيل المعرفي وفقا لقواعد الشرط؛ الا ان هناك روبوتات تم انتاجها اعتمادا على سلوك الحيوان لتقوم بمهام محددة  قد تكون بسيطة كجمع العلب الفارغة من مواقع محددة ، أو قد تكون مهام أكثر تعقيدا كالقيام بمهام استكشافية خارج كوكب الأرض. كذلك فإن العناكب المستخدمة للزحف عبر شبكة الانترنت للبحث عن المواقع ما هي إلا نظم وكيلة ذكية تعتمد على سلوك العنكبوت في عملية الزحف.

 وعلى الرغم من أن الانتاج الفكري العربي حظي بالعديد من الكتابات في مجالات الذكاء الاصطناعي؛ الا ان الملاحظ ان محاكاة السلوك الحيواني والنظم المعتمدة على السلوك لم تحظ بنفس الدرجة من الاهتمام. لذا  ارى اننا في حاجة الى تعاضد ومشاركة  اخصائي علم المعلومات مع اخصائي علوم الحاسب الآلي؛ وتحديدا المختصين في مجال الذكاء الاصطناعي لبذل الجهود لإثراء التخصص بكتابات وتطبيقات تعزز من الاستفادة من تلك التقنيات وتطبيقها في مجال استرجاع المعلومات في عالمنا العربي.